الشيخ وحيد الخراساني
29
مقدمة في أصول الدين
الأعمال حتى لو كانت عبثا لكان تحملها بسبب احتمال وجود المبدأ والمعاد جهدا ضئيلا ، ولازما لأجل دفع الشر وجلب الخير الذي لا حد له . ومعنى قوله ( عليه السلام ) : " هو أين الأين . . . " : أنه تعالى خالق الأين والمكان والكيفية ، والمخلوق لا يكون وصفا للخالق ، حيث إن اتصاف الخالق بصفات الخلق يستلزم احتياج الخالق إلى خلقه ، ولهذا لا يحد بالأين والكيف ، ولا يحس بحاسة ولا يقاس بشئ . ومعنى قوله ( عليه السلام ) : " ويلك لما عجزت . . . " أن الذي يحصر الوجود بالمحسوس غافل عن أن الحس موجود ولكنه ليس بمحسوس ، فالسمع - مثلا - موجود وليس بمسموع ، والبصر موجود وليس بمرئي ، والإنسان يدرك أن غير المتناهي غير محدود ، مع أن كل محسوس محدود ، وكم من الموجودات الذهنية والخارجية هي وراء الحس والمحسوس . واغتر هذا الشخص بظنه أن الموجود منحصر في المحسوس ، فأنكر خالق الحس والمحسوس ، فهداه الإمام ( عليه السلام ) إلى أن خالق الحس والمحسوس ، والوهم والموهوم ، والعقل والمعقول ، لا يحويه حس ، ولا وهم ، ولا عقل ، لأن كل قوة مدركة تحيط بما تدركه ، والخالق محيط بالخلق ، فلا يمكن أن يكون خالق قوى الحس والوهم والعقل المحيط بها ، واقعا في حيطة إدراكها ، فيكون المحيط محاطا ! ثم ، لو كان الله تعالى محسوسا أو موهوما أو معقولا يحويه الذهن ، لصار شبيها بما تدركه هذه القوى وشريكا له ، وجهة الاشتراك تستلزم جهة اختصاص ، فيكون وجوده مركبا ، والتركيب من صفات المخلوق لا الخالق ، فلو كان الله تعالى يحويه حس أو وهم أو عقل ، لكان مخلوقا لا خالقا .